Nouakchott Info

قضايا و آراء
من يستلم السلطة من المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية؟

افتقدت موريتانيا منذ استقلالها ولا تزال تفتقد إلى الحكم الخاضع للمحاسبة، حيث عرفت أشكالا من الأحكام الشمولية المتفردة بالسلطة، ابتداء من هيمنة الحزب الواحد، مرورا بالأحكام العسكرية، وانتهاء بالديمقراطية الشكلية الممنوحة.

وقد شكل العسكريون- طيلة هذه الفترة- الأداة القوية للحكم، إما من وراء الستار أومن أامه،

وفي جو من العقم المؤسسي، والجمود السياسي، جاء انقلاب 3 أغسطس المفاجئ، تقوده مجموعة من القادة العسكريين المحسوبين على النظام السابق، فتعهدوا بتنظيم انتخابات حرة، والتنحي عن السلطة وتسليمها إلى الشعب.

لكن الواقع العملي للبلاد يقتضي بعض الملاحظات على عملية تسليم السلطة، وعلى جدول أعمال الفترة الانتقالية نفسها:
انسحاب المجلس العسكري من الساحة السياسية، وتمرير السلطة إلى حكومة مدنية منتخبةفكرة بسيطة في شكلها، وساذجة في كنهها، لاختزالها حقائق بالغة التعقيد في معادلة تبسيطية تدور كلها حول تنظيم انتخابات حرة ونزيهةّ!
- إن انسحاب المجلس العسكري من الساحة السياسية سيخلق فراغا ضخما لا تتحمله إلا دولة ذات مؤسسات قوية وديمقراطية راسخة.

- إن المرحلة القادمة من حياة موريتانيا ستعرف، حتما، أنواعا جديدة من المنافسة الشرسة على مراكز القرار السياسي والاقتصادي، وحتى العسكري، وتحديات أمنية داخلية وخارجية مع بدء استغلال النفط وآفاقه الواعدة (استفحال رؤوس الأموال – انتشار الهجرة – الأطماع الخارجية...).

- إن المتابع للمحاولات الانقلابية الأخيرة (الفاشلة منها والناجحة) يستخلص أن النخبة العسكرية قد دخلت في مرحلة جديدة من الوهج السياسي، والتذمر على الأحكام المدنية الضعيفة، وذلك في ظل غياب تبلور واضح لمؤسسة عسكرية مؤطرة، وذات مواقف سياسية محددة.

- إن ثلاثية الإصلاح (الإداري الاقتصادي الاجتماعي) أكثر إلحاحا من فتح المجال أمام طبقة حزبية غير ناضجة لممارسة اللعبة الديمقراطية. ولن يتأتى أي إصلاح إلا تحت حكم قوي ومستقر.

- إن المجتمع المدني بهيئاته ومنظماته ظل يشكل مصدرا من مصادر الجمود والعقم المؤسسي، والإخلال بالتوازن داخل الدولة، شاهدا ومدافعا ومساهما في كل مظاهر التطور الديمقراطي والتنموي العكسي! مفتقدا-في أغلبه-إلي الشرعية.

- إن بنية الأحزاب السياسية الحالية هي بنية "انتقالية" يقتصر تكوينها وتجربتها على بعض المشاركات الانتخابية الموسمية، والانتقادات السطحية من جهة، أو المجاملات المفرطة من جهة أخرى للنظام. وليست معدة لتداول السلطة الحقيقية وسوس الدول.

ولم تبد الطبقة الحزبية الحالية أي استعداد لمجابهة الأحكام العسكرية المتتالية، والتدخل في الشؤون الوطنية، إلى أن أعلن السيد معاوية ولد الطايع عن "ديمقراطيته الممنوحة" فتسابق مجموعة من السياسيين "الهواة" إلى معارضة النظام أو تأييده، مما شرع وجمل من صورة "الديمقراطية المعاوية" أمام الرأي العام الدولي والوطني.

ولم يستطع حزب اتحاد القوى الديمقراطية - على وجه الخصوص- ومرشحه السيد أحمد ولد داداه أن يحافظوا ويوظفوا ذلك التأييد الشعبي العريض والمجاني الذي حصلوا عليه في رئاسيات 92، وأن يؤسسوا بني تحتية وفوقية حزبية متصلة بالشعب، وصالحة للبقاء، بل دخلوا في دوامة من العقم السياسي، والتردد (المقاطعة تارة، والمشاركة أخرى تحت إشراف السلطة نفسها).

كما فوتت أحزاب وقادة الأغلبية الرئاسية فرصة الاستقرار والمهادنة والوفرة المالية لإنشاء وسط سياسي معتدل وفعال، احتاجت إليه موريتانيا كثيرا في الحقبة الفارطة. بل اختاروا ربط مصيرهم بمصير الحزب الحاكم والذوبان فيه.

وكانت رئاسيات 2004 بمثابة الضربة القاضية على كبار قادة المعارضة (السيد محمد خونا ولد هيداله، السيد أحمد ولد داداه، السيد مسعود ولد بلخير) بعد مشاركة غير محضرة وغير مبررة، أسفرت عن نتائج متواضعة، لايمكن إرجاعها كليا إلى عامل التزوير.

إن عزوف المواطن الموريتاني عن الانضمام للأحزاب لا يعود فقط إلى المضايقات والتخوفات الأمنية كما تقول أحزاب المعارضة، بل هو عائد-أساسا - إلى البنية الحزبية وضعف أدائها!

فعلى أي جهة نراهن لقيادة البلاد بعد الفترة الانتقالية؟ هل يصل بنا العجز السياسي والحزبي إلى بعث هذه الأحزاب وضخ الدماء في أوصال جسدها الميت؟ أم نهيئ لخلق أحزاب جديدة، وحضانات سياسية صحية؟
هل نتشبث بالمجلس العسكري إلى أن تتكون لدينا نخبة سياسية حقيقية؟ حتى ولو كان ذلك على حساب الشكليات الديمقراطية التقليدية؟ هل المجلس العسكري مؤهل لذلك؟ ما هي الصيغة القانونية والأدبية لدمج مجلس عسكري في منظومة دستورية شرعية؟

الإصلاح السياسي لا يتمثل في تـنظيم انتخابات حرة ونزيهة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة، توازيها عملية تنموية شاملة مما لا يمكن تصوره في سنتين!

إن الإصلاح الديمقراطي منظومة معقدة ومتكاملة تحتاج إلي مؤسسات قوية لرعايتها، و رجالات مخلصين لمتابعتها، وخبراء مبدعين لرسمها وبلورتها في برامج عمليه وإجراء‌ات فعليه.

مما يحتاج إلي قرارات تشريعيه وبرامج تعليمية وتثقيفية ومؤسسات وآليات جماهيريه ومدنيه، و مجالس منتخبة على كل المستويات، تفتح الباب أمام التعبير عن المطالب السياسية، وإبداء الآراء حول القضايا الوطنية و السياسات العامة.

المجلس العسكري الذي ألزم نفسه بإصلاح الأوضاع خلال الفترة الانتقالية، ملزم -أدبيا- بمتابعة ما بعد ذلك
إن التجسيد الحي للمعنى الذي فهمه المواطن الموريتاني للانقلاب العسكري المفاجئ، يتمثل في استرجاع هيبة الدولة المفقودة، وإعادة مفهوم المرفق العمومي والملك العام، ورفع الوصاية عن المواطن واحترامه، وتوفير المستلزمات الضرورية لحياة البشر، والمساواة بين الأفراد وحمايتهم من مشكلات البطالة وغلاء الأسعار، والتدهور العام لظروف العلاج والتعليم والإسكان والنقل...

وهي مسؤولية ثقيلة، تحتاج إلى عدة سنوات، ولا يمكن أن يتحملها إلا حكم راسخ، متمتع بشيء من الاستقرار والحياد السياسي...مما يتوفر حاليا في النظام العسكري المتقلب على الحكم، والمستقر (على الأقل في الفترة الحالية).
لا تتحقق الديمقراطية باستيراد النماذج الجاهزة وإسقاطها على بلد معين
إن الديمقراطية مطلب كل شعوب الدنيا، وهدف من الأهداف الوطنية الكبرى، والسياسات العامة في العصر الحالي. لكنها لا تتحقق باستيراد النماذج الجاهزة (الأوربية أو العربية أو الإفريقية) وإسقاطها على بلد معين.

فالديمقراطية الغربية تطورت عبر أربعة قرون من الارتقاء العضوي في المجتمع السياسي الأوربي. بدءا من الماجنا كارتا في القرن 16 وحركة التنوير مرورا بحركات فكرية وسياسية كبرى، وخاصة الحركة الدستورية، وحركة العقد الاجتماعي والقانون الطبيعي والحركة الميثاقية والليبرالية ثم الحركات الاشتراكية الطوباوية والنقابية والفوضوية ثم الاشتراكية العلمية والليبرالية الجديدة، والعقد الجديد ودولة الرفاهة والفكر الكينزي...

وموازاة مع التطور الفكري الديمقراطي، حدثت عمليات اجتماعية وسياسية كبرى، تلخصت في ثورة تجارية وصناعية هائلة، أدت إلى هدم المؤسسات التقليدية، وانتقال الجماهير منها إلى مؤسسات حديثة قادرة على استيعاب الموجات القادمة من المؤسسات التقليدية المتهدمة.

فعلينا أن لا نحرق المراحل، وأن ندقق في النظام الديمقراطي الذي نختاره، وألا نندفع وراء الشعارات البراقة، والأصوات المتهورة.

فالنظام السياسي يكون ديمقراطيا باكتمال هذه العناصر: احترام الدستور وسيادة القانون، وجود مجلس تشريعي منتخب انتخاباً حراً ونزيهاً، استقلال القضاء، حرية الصحافة والإعلام، التعددية السياسة والحزبية، احترام حقوق الإنسان.
علينا أن ننتهز فرصة ما يشبه الإجماع
الوطني والمهادنة السياسية الحالية،
لصياغة عقد اجتماعي جديد
عقد اجتماعي دقيق ومتين، بين الشعب والجيش، تشارك فيه كل الفعاليات الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والمالية الموجودة، تتم صياغته في شكل مشروع دستور، يراعي قواعد الديمقراطية، ومتطلبات التنمية والاستقرار السياسي، والخصوصية الموريتانية.

يصاغ هذا المشروع الدستوري صياغة فنية، ملائمة للواقع العملي، ومنسجمة مع موازين القوى الموجودة على الساحة الوطنية، ويعرض على الشعب للتصويت عليه.

كما تتطلب الفترة الأولى للمرحلة الانتقالية، إشراف نوع من الهيئات الدستورية "الحيادية-الراعية"، غير المعينة من طرف سلطة تشريعية أو تنفيذية حزبية، مما يعني تعيينها وتنصيبها قبل إجراء الانتخابات، (مجلس عسكري - هيئة لتشخيص النظام - مجلس جهوي لامركزي - بالإضافة إلى الهيئات الدستورية التقليدية: المجلس الدستوري - المجلس الاقتصادي والاجتماعي - الهيئة القضائية - المجلس الإسلامي الأعلى...)
ومن هنا يخلص القول إلى أن السبيل الأمثل لفتح الباب أمام مسار جديد من البناء الديمقراطي والتنموي الرزين، لا يمكن أن يتحقق إلا باتفاق صريح وعادل بين الشعب والقوات المسلحة، والفعاليات الوطنية، دون أي مركب نقص، أوإقصاء أوغبن.


أحمد ولد هارون