Nouakchott Info

هامش

إلى الشيخ الددو.. سجين الاعتدال
في عتمة الزنزانة ووحشة صمتها الرهيب.. أجلسوك قسرا، وحسبوا أنهم حجبوا الشمس في رابعة النهار، هيهات هيهات.
ألقوا بك في قعر مظلمة بين دخان الحطب وروائح دورات المياه، وتوهموا أنهم آذوك، وما علموا أن الضراء في الله سراء يشكرها أمثالك من الأوابين.
سجنوك – إدمانا منهم على أفيون القمع - وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا لأنفسهم، ومنعوك المنابر وحلق العلم، وهم يتوهمون أنهم حجبوا النور رأد الضحى، ونسوا أن العسجد بالنار يصقل.
رموك – كما رميت أمك وأم المؤمنين جميعا بنت الصديق إفكا وزورا وبهتنا عظيما - بالغلو والتطرف، وقالوا: قتال سفاك دماء، بل هم في أمر مريج
اتهموك بالتحريض على العنف والإرهاب – وما علموا أن درن مثل هذه الشوائب ينفر من ذكرك – لما عرف عنك من اعتدال في الرأي ووسطية في الفكر، وانفتاح على الآخر.
صحيح أنك ما جاملتهم ولا داهنتهم في قول الحق.. وودوا لو تدهن فيدهنون، وصحيح أنك صدعت بالحق عاليا بين أيديهم، وأنك ما اشرأبت عنقك إلى وثير الكراسي ورفيع المناصب، وما سامرت عليتهم، ولا أفتيتهم على الهوى والهواء.
قالوا عنك – والله حسيبهم - إنك فرقت الناس شيعا في دينهم، وأيقظت الفتنة من منامتها، وأنك أعرضت صفحا عن نهج إمام دار الهجرة، ونحن نراه فيك اليوم يمتحن ويؤذى، كما امتحن أول مرة قبل بضع عشر قرنا، فطوبى للأمثلين في ابتلاءاتهم، ولن يخلف الله وعده.
قال قائل منهم، إنك أفتيت بالخراب والدمار.. لكن الخراب والدمار في أن نسعى ونصر على تدمير ثروة من الله علينا بها دون الحاجة لرخص التنقيب أو شروط وإملاءات المنقبين، ثروة من /العلم والمعرفة والكتب والمطالعة ومحو الأمية/ وهبها الله لنا فنسعى جاهدين لسحقها وإتلافها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
يا شيخنا وعالمنا، ورمز شنقيطيتنا، نزف إليك - ونحن في حريتنا أشد أسرا وأوثق قيدا، منك في زنزانتك، نتنفس معك أملا في الله كبيرا ووعدا منه كان مفعولا - بشرى علمتها لنا بصبرك وحلمك وعلمك، بشرى تهجيناها من خلقك العظيم ونهجك القويم، وهي: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ولعمر الله إنك لمن المتقين ومن المحسنين، ولا نزكي على الله أحدا.
شيخنا الكريم: قد نكون آذيناك جهلا منا بك، أو حسدا من عند أنفسنا، ونفوس كل أبناء دؤاد، وكثير في عصرنا الدؤاديون، لكننا نسألك، أنحن أعظم ابتلاءا أم أنت؟، نحن الذين وهبنا الله فيك علما لمن أراد منا الخروج من دياجير الجهل، واعتدالا لمن خشي التطرف والغلو، وذكرا حميدا لمن فاخر منا بسامقات المجد وحسن الذكر، ومع ذلك نسعى لوأد هذه النعمة وطمسها ومحاصرتها، ألسنا في هذا أشد ابتلاءا من كل أبناء الدنيا؟، أو لسنا فعلا أشدا ابتلاءا منك ونحن نؤذيك ونزج بك في غيبات السجن ظلما وعدوانا؟

بقلم: محمد محمود أبو المعالي

aboulmaaly@yahoo.com